أبي حيان الأندلسي
12
البحر المحيط في التفسير
هو أبلغ وآكد كما أن رحمك اللّه ويرحمك اللّه أبلغ من ليرحمك ، ويجوز أن يكون خبرا محضا على معنى إن عادتهم جارية على ذلك ، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها انتهى . وقرأ أبو البر هيثم وَحُرِّمَ مبنيا للفاعل أي اللّه ، وزيد بن عليّ وَحُرِّمَ بضم الراء وفتح الحاء والجمهور وَحُرِّمَ مشددا مبنيا للمفعول . والقذف الرمي بالزنا وغيره ، والمراد به هنا الزنا لاعتقابه إياه ولاشتراط أربعة شهداء وهو مما يخص القذف بالزنا إذ في غيره يكفي شاهدان . قال ابن جبير : ونزلت بسبب قصة الإفك . وقيل : بسبب القذفة عاما ، واستعير الرمي للشتم لأنه إذاية بالقول . كما قال : وجرح اللسان كجرح اليد وقال : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطويّ رماني و الْمُحْصَناتِ الظاهر أن المراد النساء العفائف ، وخص النساء بذلك وإن كان الرجال يشركونهن في الحكم لأن القذف فيهن أشنع وأنكر للنفوس ، ومن حيث هن هوى الرجال ففيه إيذاء لهن ولأزواجهن وقراباتهن . وقيل : المعنى الفروج المحصنات كما قال : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها « 1 » . وقيل : الأنفس المحصنات وقاله ابن حزم : وحكاه الزهراوي فعلى هذين القولين يكون اللفظ شاملا للنساء وللرجال ، ويدل على الثاني قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ « 2 » وثم محذوف أي بالزنا ، وخرج بالمحصنات من ثبت زناها أو زناه ، واستلزم الوصف بالإحصان الإسلام والعقل والبلوغ والحرية . قال أبو بكر الرازي : ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى ، والمراد بالمحصنات غير المتزوجات الرامين أو لمن زوجه حكم يأتي بعد ذلك ، والرمي بالزنا الموجب للحد هو التصريح بأن يقول : يا زانية ، أو يا زاني ، أو يا ابن الزاني وابن الزانية ، يا ولد الزنا لست لأبيك لست لهذه وما أشبه ذلك من الصرائح ، فلو عرض كأن يقول : ما أنا بزان ولا أمي بزانية لم يحد في مذهب أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح والشافعي ، ويحد في مذهب مالك ، وثبت الحد فيه عن عمر بعد مشاورته الناس وقال أحمد وإسحاق هو قذف في حال الغضب دون الرضا ، فلو قذف كتابيا إذا كان للمقذوف ولد مسلم . وقيل : إذا قذف الكتابية تحت المسلم حدّ واتفقوا على أن قاذف الصبي لا يحد وإن كان مثله يجامع ، واختلفوا في قاذف
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 91 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 24 .